خير الكلام

مجلة العمل

آخر عدد/ مايو 2010

 

الأعداد السابقة

اصدارات

 

أوقات الصلاة
الصبح 3:39
الشروق 5:02
الظهرين 11:47
العشائين 6:41
19/08/1431
31-07-2010 م

الحرب السرية كادت تغتال قمة دمشق
مقالات , 03/03/2010 م

الحرب السرية كادت تغتال قمة دمشق

د-عصام نعمان- الوفاق الايرانية

 

كادت 48 ساعة تغيّر وجه المنطقة. بين فجر الخميس 25 فبراير وفجر 27 منه، احتلت موجات من سلاح الجو الاسرائيلي سماء لبنان من اقصى شماله الى اقصى جنوبه. عربدةُ الطائرات فوق المدن والقرى ايقظت الناس من سباتهم بغير رفق. بعضهم ظنّ انها على وشك ضرب أهداف قريبة. ربما فعلت لو اكتشفت الاهداف المطلوبة. أيُّ اهداف كانت ترتجيها اسرائيل لطائراتها في غبشة الفجر؟
سؤال اقلقني بعدما ايقظني، كما غيري، هدير طائرات العدو. ذكّرني بأن الخميس هو يوم قمة الرئيسين بشار الأسد ومحمود احمدي نجاد. قلتُ في نفسي لعله عرض قوةٍ يريد القادة الصهاينة ان يخيفوا به قادة الممانعة والمقاومة المفترض احتشادهم في دمشق . انه احتمال وارد، لكن ماذا عن قادة المقاومة الذين سينتقلون من اماكنهم السرية الى عاصمة الأمويين؟ ماذا عن قائد المقاومة اللبنانية السيد حسن نصر الله؟ هل سيكون الصيد الاستراتيجي الثمين الذي ترتجيه اسرائيل في عتمة الزمن العربي الرديء؟
راودتني بقسوة أفكار متناقضة. فكرة اولى مفادها ان سيد المقاومة خبير حصيف وحريص في افانين التخفّي، فلا خوف عليه رغم مكر العدو وانتشار جواسيسه. لكن، ماذا لو قُيّض لعملاء العدو ان يكتشفوا مكان انطلاقته او مسار رحلته الى سوريا؟ هل ينتهزون الفرصة ليقتنصوا اعدى اعدائهم وبطل هزيمتهم النكراء في حرب يوليو 2006؟
فكرة ثانية التمعت في رأسي مفادها ان تكون اسرائيل قد خططت لسيناريو العمر: تضرب نفسها ضربةً موجعة لتتخذها ذريعة من اجل ضرب أقطاب قمة الممانعة والمقاومة خلال اجتماعهم في دمشق، فتتخلص منهم ومن المقاومة مرةً والى الابد. هل يعقل ان يرتكب قادة اسرائيل مثل هذه المغامرة، بل هذا الجنون؟
المنطق السليم يقول كلا. الحس السليم يقول نعم. دايفيد بن غوريون، أبرز مؤسسي دولة اسرائيل، لم يتورع، عقب قيام ثورة 23 يوليو 1952، عن محاولة تفجير السفارة الاميركية في القاهرة بعد ترْك آثارٍ تدل على ان الفاعلين من الجناح المتطرف في الثورة بغية الايقاع بين القاهرة وواشنطن. رئيسة الوزراء السابقة غولدا مئير لم تتورع عن قصف سفينة التجسس الاميركية (ليبرتي) خلال حرب 1967 لتعطّل تغطيتها لحركة سلاح الجو الاسرائيلي في السماء المصرية وارتكاباته الوحشية على الارض وفي الاماكن السكنية. وزير الحرب السابق اريئيل شارون لم يتورع في حرب اسرائيل العدوانية على لبنان وغداة احتلال عاصمته عن ارتكاب مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا التي ذهب ضحيتها الآف المدنيين الفلسطينيين الابرياء. رئيس الوزراء السابق ايهود اولمرت لم يتورع ايضا عن ارتكاب الجنون نفسه في حرب اسرائيل على لبنان سنة 2006 وعلى غزة في حرب 2008-2009 عندما قصف طيرانه الحربي السكان المدنيين بقنابل الفوسفور الابيض.
فكرة ثالثة انتابتني مفادها ان الجنون فنون وان قادة اسرائيل المغامرين والمجانين لن يتورعوا عن اغتيال (السيد) من الجو، اذا سنحت لهم الفرصة، وسيهنأون أنفسهم بأن فعلتهم النكراء سوف تكسف قمة المقاومة في دمشق، وربما تؤدي الى تغيير موازين القوى في المنطقة.
طالت فترة القلق. امتدت من الفجر حتى الغروب، الى ان ختمها خبران مطمئنان: الاول، ان احمدي نجاد وصل الى دمشق سالماً وعقد لقاءه المنتظر مع بشار الاسد. الثاني، ان عربدة الطائرات الحربية الاسرائيلية لم تفضِ الى اي غارة في اي مكان ما يسمح باستنتاج منطقي بأن (السيد) لم يذهب الى دمشق أو انه وصل اليها سالماً معافى. بعد ساعات قلائل ساد السرور والحبور اجواء المترقبين القلقين: قائد المقاومة رفّع نفسه بجهاده الموصول والانجازات الفذة للمقاومة اللبنانية الى رتبة قطب وازن بحضوره قمة القطبين السوري والايراني.
لماذا لم ينضم خالد مشعل الى القمة الثلاثية؟ ربما يكون قد فعل، لولا ان اعتبارات فلسطينية وعربية واقليمية استوجبت عدم الافصاح عن مشاركته فيها.
مهما يكن الأمر، فان الغاية من القمة تحققت: تعبير الأسد بسخرية لافتة عن حرص سوريا على الاقتراب اكثر من ايران فيما وزيرة خارجية اميركا هيلاري كلينتون تطالبه بالابتعاد عنها. اعلان الأطراف الثلاثة الجهوزية والاستنفار وتضامنهم في مواجهة احتمال قيام اسرائيل بعدوان واسع وعدم السماح للعدو باستفراد أي منهم. تأكيد تضامن الأطراف الثلاثة ضد اي عدوان محتمل وعدم السماح للعدو باستفراد احدهم. التشديد على العلاقات التحالفية التي تربط سوريا بايران، وتربط البلدين بقوى المقاومة في فلسطين ولبنان، وعدم اتخاذ دمشق خطوات احادية حيال التفاوض مع اسرائيل. اخيراً وليس آخراً، توطيد التحالف بين دمشق وطهران بالغاء تأشيرات السفر بين البلدين. اما الرئيس الايراني فقد حرص على دعم بلاده لقوى المقاومة الفلسطينية بالاجتماع الى قادتها، والدعوة الى عقد مؤتمر عاجل في طهران لدعم المقاومة.
مساء اليوم الثاني للقمة اكتملت الافراح. فقد جرى الافراج عن صور اللقاء بين الأقطاب الثلاثة وعن صور (قمة) الرئيس الايراني مع قادة الفصائل الفلسطينية في دمشق. هذه الصور والمشاهد ما أفرج عنها الاّ بعدما تأكدت عودة السيد حسن نصرالله سالماً الى لبنان.
كسبت قوى الممانعة والمقاومة بانعقاد قمة دمشق وقراراتها وعودة اقطابها سالمين جولةً مهمةً في صراعها مع اميركا واسرائيل، لكنها لم تكسب الحرب بعد. ذلك ان الحرب في المنطقة ما زالت ناشبة ومتفاقمة، لكنها ليست ساخنة. انها حرب سرية محمومة بين اجهزة استخبارات دول كبرى عالمية واخرى كبرى ومتوسطة وصغرى اقليمية بل هي ضارية بين كل من اميركا واسرائيل من جهة وايران وسوريا وقوى المقاومة العربية من جهة اخرى. آخر فصول هذه الحرب نجاح الاستخبارات الايرانية في اعتقال المطلوب الاول لديها، زعيم جماعة (جند الله) عبد الملك ريغي، في سياق (عملية استخبارية قامت بها ايران من دون مساعدة من دول اخرى)، كما قال وزير الاستخبارات الايراني محمد مصلحي. قبل هذه العملية، كان جهاز (الموساد) الاسرائيلي قد نجح في اغتيال محمود المبحوح، احد اركان حركة (حماس)، في دبي بواسطة عملاء كانوا يحملون جوازات سفر بريطانية وفرنسية ونمساوية وايرلندية واسترالية.
هاتان العمليتان وغيرهما دليلان حسيان يساعدان على تظهير بعض أوجه الحرب الاستخبارية الدائرة بين دول عدة في المنطقة، بل في العالم. وهي حرب تتعدى مواضيع الاغتيالات والتجسس والتأثير غير المباشر في اتخاذ القرارات لتتناول اموراً اكثر خطورة كإثارة الفتن الطائفية والمذهبية وتفكيك وحدة بعض الدول لاقامة كيانات أثنية او قبلية او طائفية متناحرة على أنقاضها.
في هذا المجال، توظف وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية جهوداً ضخمة لتفكيك ايران من الداخل. فهي، الى حملة الايقاع بين المحافظين والاصلاحيين والحكومة والمعارضة، تدير منذ سنوات عملية واسعة لتأليب مكونات الشعب الايراني ضد الجمهورية الاسلامية: الاكراد في الشمال الغربي، والعـرب في الجنوب الغربي، والاذريون في الشمال، والبلوش في الجنوب.
اسرائيل تولي أجهزة استخباراتها عناية خاصة وتعوّل عليها لانجاز مهمات خطيرة ودقيقة، ولا يتأخر قادتها في امتداح انجازاتها. ها هو رئيس الاركان السابق الجنرال دان حالوتس يؤكد في ندوة عقدت في جامعة تل ابيب ان اغتيال المبحوح في دبي عزز قدرة اسرائيل الردعية. قال: (ان لكل دولة، بما في ذلك ايران ورئيسها احمدي نجاد، ما تخسره، وهذا يشمل منظمات الارهاب (يعني المقاومة)، وانه عندما رحل عماد مغنية وقع ضرر فوري على حزب الله. وعدا النتيجة المباشرة التي اخذت رجلاً كبير الاهمية واخرجته من اللعبة، فان التالي في الدور سيغدو قلقاً).
الحقيقة ان اسرائيل أشد قلقاً من حزب الله بأشواط. فمنذ اغتيالها مغنية قبل سنتين، والقادة الصهاينة في قلق مقيم، داخلياً وخارجياً. وزاد من قلقهم ان قائد المقاومة السيد حسن نصر الله اعاد التأكيد في خطبته الأخيرة ان الثأر لدم مغنية لم يؤخذ بعد، وان قائداً بمكانته العظيمة لا يؤخذ ثأره كيفما كان بل يقتضي ان يكون بمستوى اهميته وعظمته. هذا العهد الذي قطعه نصرالله على نفسه وحزبه زاد من قلق القادة الصهاينة الذين يعرفون انه رجل الوعد الصادق دائماً.
قياساً على الذي جرى ويجري، يبدو أن دول المنطقة مقبلة على احداث استخبارية جسام. ذلك ان عدم قدرة بعضها، بما في ذلك اميركا، على اللجوء الى خيار الحرب، أدى ويؤدي الى تعويض (الربح الفائت) الذي توفره الحرب النظامية بتصعيد الحرب السرية، بما فيها العمليات الاستخبارية، بغية اضعاف العدو واحباطه. ها هو رئيس هيئة الاركان المشتركة للجيوش الاميركية الاميرال مايكل مولن يصرح اخيراً بأن أي ضربة عسكرية لايران لن تكون حاسمة وحدها في التصدي لبرنامجها النووي. لذلك دعا ضمناً الى الاستعاضة عنها بممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية عليها. ذلك كله يزيد من حاجة اميركا الى استخباراتها من اجل تعويض صعوبة اللجوء الى خيار القوة واستدراك مخاطر شديدة قادمة.
اسرائيل تحتاج هي الاخرى الى مزيد من النشاط الاستخباري من اجل تعويض خسائرها السياسية والاستراتيجية ولمحاولة استرداد هيبتها الردعية المتهافتة. في هذا المجال، تحاول تل أبيب، بمعاونة اميركا، بسط شبكات عملائها واستقصاءاتها على مجمل الساحة اللبنانية بما هي ملعب انشطة عدة لدول وتنظيمات متعددة. من أبرز عملياتها في هذا السبيل ما كشفته جريدة (السفير) أخيراً. فقد طلب (رئيس مكتب تنفيذ البرامج لسلطات انفاذ القانون الدولي في السفارة الاميركية في بيروت) الى رئيس قسم المباحث الجنائية في قيادة قوى الامن الداخلي تزويده بمعلومات، ضمن استمارات مطبوعة، حول محطات شبكتي الهاتف الخلوي (التليفون النقّال) وحدود انتشارها بالاضافة الى تفاصيل تقنية دقيقة تتعلق بقطاع الاتصالات.
ماذا يعني الطلب الاميركي؟
يجيب ضابط لبناني كبير: (اولاً، القدرة على التنصت على المكالمات الخلوية. ثانياً، تعطيل الاتصالات. ثالثاً، التشويش في نقطة محددة. رابعاً تحديد موقع اي هاتف خلوي على الارض اللبنانية. خامساً، القدرة على تدمير الشبكات من خلال امتلاك (الداتا)، وهو أمر أقدم عليه الاسرائيليون بعد إلقاء القبض على عميلهم المدعو اديب العلم، اذ قرروا تدمير شبكة واسعة فأدت خطوتهم المتسرعة هذه الى انكشاف عدد كبير من الشبكات الاسرائيلية على الاراضي اللبنانية). رافق القضية - الفضيحة واعقب كشفها نجاح شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش اللبناني في كشف شبكتين تجسسيتين لجهاز (الموساد) الاسرائيلي، الاولى في الجنوب مكوّنة من عميلين، والثانية في الشمال مكوّنة من عميلين ايضا، احدهما بالغ الأهمية بالمعايير الاستخبارية. هاتان الشبكتان هما التاسعة والعاشرة من الشبكات الاسرائيلية العشر التي تمكّنت الأجهزة الأمنية اللبنانية من كشفها في خلال سنة واحدة، ولا شك في ان عشرات غيرها ما زالت ناشطة.. وقابلة للكشف.
الحرب السرية الاسرائيلية على لبنان وقوى المقاومة ما زالت، اذن، قائمة ومتفاقمة. وحرب لبنان المضادة التي تشنها قوى الجيش والمقاومة ناشطة هي الاخرى وتحقق نجاحات لافتة.
في الحروب السرية والاستخبارية، ثمة دائما (ابطال وانذال). البطل هو دائما ابن الشعب البار فيما النذل هو ابن العدو المجرم. عسى ان يزداد ابطالنا ثقةً وفعالية وان يدفع انذال العدو ثمن جرائمه المتناسلة كالفطر

التعليقات (0)
القائمة الرئيسية
تحكم الأعضاء
القائمة البريدية
للإشتراك في قائمة مراسلات الموقع




 

المتواجدين حالياً
1
8
البحث